Three Billboards Outside Ebbing, Missouri – تجربة فيلم رائعة!

عندما تابعت فترة صدور الفيلم لم ألاحظ من مخرجه ولا حتى طاقم تمثيله بالكامل، توقعته على أي حالٍ فيلما عاديا من طينة أعمال هوليوود العصرية المكررة، فترة بسيطة حتى علمت أن مخرج العمل هو ذاته الشاب ‘مارتن ماكودنا’، صاحب العمل الشهير والذي أذكر أنني تابعته فور صدوره In Bruges، وهو من بين الأعمال التي لن أنساها كونها جاءت مغايرة على مفهوم مشاهداتي للأفلام، الطابع الكوميدي السوداوي الذي كنت أستغربه دائما، أسلوبا برز أكثر مع مشاهدة ثانية لذات العمل. ‘ماكدونا’ يعود مجددا على الساحة بنصٍ سينمائي لاقى احتفاءً جيدا حتى الآن وإن كان عليه بعض الانتقادات أيضًا. عمله ‘ثلاث لوحات إعلانية خارج إيبينغ، ميسوري’ يحظى بطاقم تمثيلي مُلفت كما عنوانه.

تدور حكاية الفيلم عن أمٍ فقدت ابنتها جراء حادثة اغتصاب تقرر معاقبة السلطات ورئيس شرطة المدينة لأنهم لم يجدو خيطا حتى الآن يدلهم على مرتكب الجريمة. في إحدى الأيام لاحظت تواجد 3 لافتات مُهملة على الطريق الرئيسي لميسوري، لتقرر بذلك استئجارهن ووضع شعارات تحاول من خلالها جذب إنتباه الناس للقضية ووضع شرطة المدينة في وضعٍ حرج، لتبدأ من هنا الصراعات في مساحة صغيرة بينها وبين شرطة المدينة والناس، هذا كاعتقاد أول حتى نلاحظ بأن حكاية الفيلم تدور على محاور وتفاصيل كثيرة أخرى.

حكايا ‘ماكدونا’ دائما مثيرة للاهتمام لأنه يعرف كيف يلتقط أشخاصها، أشخاص الحكايات أعني، وبهذا العمل نصّه يعمل على أجزاء كثيرة يمكن اعتبارها جزءً من الحكاية ذاتها أو آخر منفصلًا عنها، فشخصياته موزونة، وعرض قصة كل شخصية حتى وإن جاء بشكل مستقل، فهو بشكل واضح وسلس عائدٌ للحكاية العامة التي تروى أمامنا.

 

 

يخبرنا الفيلم عن مشاعر إنسانية عديدة، عن قيم أيضًا فيها العادل وغير العادل، فنحن نشهد بحكاية ‘ماكدونا’ أم تشعر بالذنب، عن تساؤلات أخلاقية تبدأ بالعنف وتنتهي بالتسامح. هناك بالنص والذي أجده بازرا به جانبا من الكوميديا السوداء، وهي كوميديا ‘ماكودونا’ غير الواضحة تماما، خفيفة لكنها تورط المشاهد، وهذا ما فعله نصّه من وجهة نظري، نص سينمائي مميز يورطك كمشاهد، حوارات مباشرة غاية في الإثارة، وحوارات أخرى في الخلفية (شخصية ترويها) جميلة ومؤثرة للغاية، هذا غير أن أحداث الفيلم تتمتع بالخفة والمتعة والإثارة ولا تخلو من الموسيقى الرائعة جدًا.

الشخصيات التي حددها ‘ماكودنا’ فريدة من نوعها، الأم ‘مليدراد’ -تؤدي دورها الممثلة فرانسيس ماكدورماند- غاضبة وعنيفة وتشعر بالذنب، (في الوقت ذاته متأثرة تماما بالحادثة)، رئيس الشرطة ‘ويلبي’ -يؤدي دوره وودي هاريلسون- محبوبا في المدينة، علاقته مع زوجته ممتازة وحياته تبدو على ما يرام حتى نكتشف مرضه، وهو من مفاصل الحكاياة المهمة بالطبع؛ شخصية أخرى بارزة (وأعتبرها من شخصياتي المفضلة بالفيلم) وهو الشرطي ‘ديكسون’ -يؤدي دوره سام روكويل-، غريب الأطوار نلاحظ نقص حاد في ذكاءه، هناك ما يثير اهتمامنا كونه لا يزال الفتى المدلل بالنسبة لأمه، علاقتهما ملفتة، ديكسون يمثل جانب بعض الأشخاص الذين نحكم عن تصرفاتهم بناءً على صورة ضبابية، فالتحول الذي يحدث لديكسون يعمل على نقل الحكاية لواجهة أخرى مهمة، هذا ما لفت نظري بالفيلم عموما، عدم تواجد الأحادية فيه، كل التفاصيل يمكن النظر فيها بمنظارين، حتى إن الانتقادات كانت موجهة حول ثغرات يذكر منها القفز السريع بين الحدث والآخر، كذلك مسألة الصدف ووضوحها، لكن في رأيي الشخصي هناك عملا ذكيا بالنص، وقدرته على طرح رؤى عدة في حكاية تبدو أحادية الرؤية يعطي انطباعا على أنه نص متماسك ومُلفت ورائع أيضا.

الأداءات التمثيلة كلها رائعة وعلى أكمل وجه، أبرزها بالنسبة لي (فرانسيس) و (روكويل)، أدائين أتمنى لهما الحظ بجوائز هذا العام، فرانسيس يمكن القول بأنني أتعاطف معها وبذات النسبة مع أداء سالي هويكنز في رائعة ديل تورو، أما روكويل فيستحق الاشادة بالفعل.

 

 

كما أذكر دائما، مراجعاتي شخصية إلى حدٍ كبير، كل مراجعة تأخذ أسلوبها الخاص، بعضها تكون الافتتاحية عامّة عن القصّة، وأخرى عن أسباب متابعتي ومن ثم الانتقال للتفاصيل البارزة بالعمل، ليس التفاصيل جميعها، لأن عملا كهذا لا يمكن في مراجعة قصيرة انصافه. ‘ماكدونا’ حقق فيلما مهما هذا العام وواحدا من أفضل الأفلام التي شاهدتها لموسم 2017، فيلم ممتع يمزج بين الدراما والكوميديا السوداء، شخصيات مثيرة للاهتمام وقضايا أخلاقية/نفسية لم تُطرح بشكل معقّد مُلفتة بشكل كبير. أنصح الجميع بمشاهدته والاستمتاع به وبتفاصيله وموسيقاه الجميلة والأفضل حتى الآن. هناك جوانب تذكرك بأعمال الأخوة كوين، وأجواء الفيلم عامة تشعرك بالحنين لأعمال هذه الفترات الزمنية، فيلما وباختصار مُبدع.

تقييمي: 8.5/10

 

لمتابعتي على الفيسبوك يرجى الاطلاع على صفحة: ( مُذكرات سينمائية )
Facebook.com/cinematicdiary

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

مُقدَّم من WordPress.com. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: