Marriage Story – قصة حب عن الطلاق!

Related image

يشير عمل المخرج “نواه بومباك” في فيلمه الأحدث إلى مقولة نعي من خلالها الكثير، حيث كُتب على غلاف الفيلم: “إذا كان الحب موجودًا، فهناك بالتأكيد طريقة ما”. هذا بالطبع ما يعالجه بومباك في نصّ حواري حول علاقة زواج تمّ قطفها من شجرة الواقع، ليست غرائبية ولا تحمل ذاك التعقيد الذي قد ينفرنا، بل يرينا من خلالها ما يمكن حدوثه في (إطار بسيط) عبر افتتاحية يروى من خلالها خصائص طرفي العلاقة، بداية عن نيكول من خلال سردٍ صوتي لتشارلي، ثم العكس. هذه ليست أولى أفلام بومباك عن هذا الموضوع، وعلى ما يبدو أن للأمر بالفعل علاقة بقصة زواجه المنتهية مع الممثلة “جينيفر جاسون لي” قبل سنوات، لأنه قد سبق وسلّط الضوء خلال فيلمه The Squid and the Whale على قضية طلاق من (منظور الوالدين) في ظل وجود طفل. في Marriage Story مستوى أعلى على ما يبدو كان بومباك في أمس الحاجة إليه، رغبة في صراخٌ أكبر، وها هو يصل إلى قاعدة جماهيرية كبرى يعود فضلها إلى Netflix وغيرها من العوامل الأخرى.

Related image

هناك ثلاثية لابد من العلاقة العاطفية ملامستها، بعضها نقيض الآخر ولا يجب عليها التحقق بالمزامنة، إلا أن الحب والكره رغم تضادهما في كلّ شيء، لكن حدوثهما وارد، ولا يهم من يسبق الآخر؛ قد تُحب شخصًا ثم تكرهه، وقد تكره شخصًا ثم تحبه، وهذه هي الحياة بتعقيداتها، سلوكًا أو حتى موقفًا بالصدفة، يكون كفيلًا بانتزاع شعور واحتلال آخر. لكنّ الزواج طرف لا يمكن التغاضي عنه، وهو نتاج لقصص الحب، ولابد له التحقق ضمن ثلاثية العلاقة العاطفية. في فيلم “قصة زواج” نتابع خاتمة لقصة حُب تحوِّلت إلى كره، أو هكذا نزعم من خلال ما شاهدنا من معارك لفظية، لكن هل يجب على هذه الثلاثية أن تنتهي بشكل مأساوي؟ وهل ما نشاهده ضمن خصام هذا الثنائي هو بالفعل (كره) ما بعد الحب؟ قد تكون الأمور بسيطة في مظهرها الخارجي، لكن بهذا الفيلم تحديدًا لا يمكن إلا أن تحظى بتفسيرات عديدة اتجاه ما يحدث، ولهذا أعتبره واحدًا من القصص الفريدة عن نزاعات الزواج بسبب المشاعر المختلطة.

Related image

تظل حكايا الحب أمرًا ثانويًا حتى إتخاذ أكثر الخطوات جرأة ألا وهي الزواج، فالفصل بينهما محسوم، والفصل لا يعني الاستغناء عن أحدهما، بل هذا يعني أن لكلا الحالتين قوانين وسلوكيات لا بد من خوضها، وهذا حتى في ظل وجود الوعي الكافي لدى الطرفين، إلا أن الزواج يثير تعقيدات قد لا تبدو متوقعة في البداية، ويجب على الزوج والزوجة التعامل معها بهدوء. هنا في حكاية Marriage Story تفاصيل زواجية مهمة، لا تبدو بعيدة عن واقعنا، فالشخصيات واقعية، صحيح أنها متناقضة بعض الشيء لكنّ ما يجمعها واحد. بدأت علاقتهما من خلال أعمالٍ مسرحية جمعت بينهما كمخرج مسرحي وممثلة مسرحية، تشارلي (الزوج) لديه اهتمام مبالغ فيه بكل ما يعمل، ولديه انتماء لنيويورك التي وجد فيها نفسه قبل فترة، بينما نيكول (الزوجة) مارست التمثيل بكل شغف، لكنها بدأت تشعر بالإنزعاج كونها لم تعد تحظى بالإهتمام المطلوب، بل وكانت تنتظر المرحلة التي تنتقل فيها إلى لوس أنجلوس. هنا الكثير من الفواصل، لا أحد مخطئ، هي مجرّد توقعات تم وضعها ومسايرتها بدافع الحب لكنها رفضت أن تستمر. في القصة الكثير من الإنسيابية، حوارات تدور في زمنٍ طويل على الشاشة، في السيارة وفي المنزل، بينما وجود لشخصيات ثانوية شفافة لم تضفي إلا بعض النكات الجيدة كحال نصوص “بومباك” التي حتى في مواقفها المأساوية لابد من مرور الكوميديا. هناك ما قد يقلل من القصة كونها أتت ببعض المبارزات التي لم ترتقي بالنسبة لمشاهداتي كالتي عايشتها مع قصص زواج فاشلة ضمن أفلام مثل: Loveless أو Custody أو Blue Valentine أو غيرها الكثير، بل كانت الإنفعالات هنا على الرغم من أثرها البالغ في الحكاية (بدت مفتعلة) ساعد في بروزها أداء الممثلين سواء سكارليت أو حتى أدم دريفر، الموهوبين كثيرًا، وهذا من خلال حوارات نصية ليست سيئة، لكنها لم ترتقي لمستوى أفلامٍ مماثلة. قد ينقص من كثافة الحكاية أن ماضي العلاقة التي تجمعهما مخفي، فكلّ ما نعرفه نُبذ مصغرة تتعلق بالطرفين.

Image result for marriage story lawyer

أعتقد بأن أكثر ما لفت انتباهي بالفيلم وأثار إعجابي هو معالجته (المختلفة) للطلاق وما يُشترط فيه، لأن الحكاية هنا لا تتهم أحد الطرفين، بل تعري بطريقة ساخرة الوضع الذي تؤول إليه الأمور في حين قرر الزوجان تدخل القانون لفض نزاعاتهما. في البداية نلحظ كيف أن الاثنين يرغبان في انهاء الأمر بشكل سلس، هذه غايتهما، لكن الزوجة لم تحتمل كبت نفسها ورغبت في انتزاع حقها، ولعل هذا أكثر موقف جعل الزوج تشارلي يستاء. لن أتحدث هنا عن النزاعات وما الذي أودى بالطرفين لاتخاذ هكذا قرار، إلا أن تحقيق بومباك لمعالجة يرغب فيها القول بأنه يجب إيجاد طريقة مثلى، كلّ شيء له حل من غير نزاع، وقد تلاحظ بعض المشاهد التي تستفزك كمشاهد حينما نرى المحامين يرغبون فقط في الحصول على الغداء بعد نزاع لفظي معقّد يُفضح كلا الطرفين نفسهما من غير خاطر. هذه الإشارات ليست انتقادا في حق المحامين، لكن بومباك يرغب في علاج قرارات الطلاق وجعلها تميل إلى السماح والرحيل بابتسامة وود يحفظ ذكريات العلاقة والحب والنجاحات المشتركة، وأن تُحسم بخصوصية بعيدًا عن المنافسة غير الشريفة واستهداف تعثرات بعضنا.

Image result for marriage story noah baumbach

عليّ أن أشير بداية بأنني متابع لصيق بأعمال “نواه بومباك” منذ أن بدأ وبدأت معه شريكته العاطفية والمخرجة الشابة “غريتا” في صُنع أعمال لطيفة وحوارية تدور دائمًا حول العلاقات بين الأصدقاء أو العائلة أو كلّ علاقة بإمكانها أن تجمع حوارًا لا يفكك ذاتية المرء نفسه، فأفلامه تحتوي على شخصيات محفوظة ومكتوبة بعناية فائقة، وكان دائمًا ما يحافظ على هذا الأمر، ومن بين أبرز أعماله السابقة Frances Ha, Mistress America, The Meyerowitz Stories. هو من المخرجين القلائل المتأثرين تأثرًا بالغًا بأعمال وودي آلن وطريقته الفنية في صناعة الأفلام، ولعل أكثر ما يربط بين الإثنين هي مدينة نيويورك، وهذا نلاحظه عبر كل أفلامه. تأثره بمخرجين آخرين يتضح خلال فيلمه “قصة زواج” كلقطات -الكلوز أب- التي كان يفعلها بيرغمان، والكثير، لكن هذا كله لم يغطي لمسته الإخراجية الواضحة في أعماله والتي لا يمكن أن أخطئ بخصوصها. نواه بومباك موجود في هذا العمل عبر فكرته اللصيقة حول نيويورك، فنلاحظه يعطي من خلال شخصية الزوج تشارلي إهتمام وانتماءً لهذه المدينة، ونلحظ أن لتشارلي مخاوف أكبر من فض النزاع ألا وهي قرار نيكول في البقاء في لوس أنجلوس، المدينة التي تشتهر بالمساحات الشاسعة، إلا أن تشارلي يشعر بالاختناق، وهنا “نواه” يرفع من مستوى علاقته بالمدينة حتى بابتعاده التصوير فيها.

Related image

على قناعة من أمري فيما يتعلق بمستوى الممثلين والبطلين الرئيسين ورفعهما من مستوى الفيلم حتى في لحظاته الباهتة وانفعالته النصية التي لا تبدو عميقة أو مرتبطة بالنص التعريفي لكليهما. “سكارليت جوهانسون” في أداءٍ مميز كبتت من خلاله انزعاج الزوجة من الزوج، ضيقها من الحياة الناقصة، عدم قدرتها على مواجهة زوجها، وكانت عبر نيكول في كثير من اللحظات حقيقية. بينما “أدم دريفر”، الموهبة القادمة والممثل الذي حظيّ بشرف التمثيل في مدة زمنية قصيرة مع أبرز ممثلي الساحة السينمائية، هنا يرفع من مستواه خاصة على الصعيد الجماهيري ويلفت انتباه الجميع في أداءٍ برز في لحظات وخفت في أخرى، إلا أنه كان بارعًا في شدنا إتجاه الحكاية وكانت شخصيته تشارلي أكثر حضورًا وجذبًا عكس نيكول -من وجهة نظري-، بل وكانت له مشاهد رائعة خاصة مشهد غناءه في البار، كان قاضيًا ودراميًا بشكل حقيقي (ذكّرني بمشهد كاري موليغان في Shame). على مستوى النص، أعجبتني الشخصيات ورأيتها مكتوبة بطريقة ملموسة، حيث يمكنك تشبيه العديد من الناس معها.

Related image

نتاج كل هذا التحليل يعود لي لحقيقة أن الفيلم مُتقن من نواحي عديدة وهذا ما يجعله واحدًا من مشاهداتي المفضّلة للعام، فهناك العديد من المشاهد المدروسة بصريًا وهناك تفاصيل سينماتوغرافية تم الاعتناء بها في فيلمٍ كان يمكن أن يكون أبسط من ذلك بكثير، لكنّي سعيد بتحدي “نواه بومباك” المخرج الذي أحببته دائمًا، بل ويمكن التفصيل في كثير من عناصر فيلمه لكنّ الكتابة ستطول. في عمله هذا شجاعة بالغة، هذه حكاية حب تمرّ بصراع وأزمة نحزن لحدوثها، وليست حكاية كُره تحاول تلطيخ مفهوم الزواج والشريك والطلاق أيضًا. هذه النبرة الحسناء إن صحّ القول في معالجة الفيلم لموضوعه غير السهل على الإطلاق ترفع من مستواه بالنسبة إليّ وتغطي العديد من ثغراته. هنا فيلم يحميك بلِطف، في مستواه الفيلمي المتواضع، وهو نصيحة مثلى حول شكل الطلاق الأنسب. أتوقع للفيلم منافسة قوية على جوائز العام، وأشكر نيتفلكس ونواه بومباك بصفتي مشاهدًا افتقد منذ فترة طويلة هكذا نوعاً من الأفلام.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

مُقدَّم من WordPress.com. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: