Once Upon a Time in Anatolia – قابعين خلف حقائقنا!

Image result for once upon a time in anatolia nuri

 

المخرج التركي “نوري جيلان” إكتشاف عظيم بالنسبة لي، منذ اللحظة الأولى بات أسلوبه ملحوظًا. هذا المخرج الذي كان يشاهد الأفلام بنهم شديد وبتوسع. جيلان خاض في حياته الشخصية رحلات كثيرة حتى أكتشف في أحد الأيام بأن السينما هي ملاذه ومهنته التي يجب أن يؤمن بها، وأيضًا لكونه فوتوغرافيًا يحب إلتقاط التفاصيل المهملة بالطبيعة والحياة. نلاحظ في فيلمه هذا تأثره الواضح بالسينما نفسها، بالأفلام التي شكّلت ذائقته وأسلوبه، لكن هذا التأثير لا يتداخل بشكل ملحوظ على أعماله وأخص عمله هذا بالتحديد، فله حسّه وهواجسه الخاصّة. يعتمد “جيلان” هنا على محاور ثلاث ترتكز حول قصة أولى غامضة (جريمة)، وأخرى رمزية وضمنية عبر شخصياته، ومحور ثالث يتكلم فيه من خلال الصورة، حيث كل شيء معمول بحرفية ورؤية فنية ساحرة. جيلان يغوص في أعماقنا إلى الحد الذي تخاف فيه على نفسك، يواجهنا عبر حكاية بسيطة في سطحها، لكنّها مشحونة بكثيرٍ من العاطفة والكآبة القاتمة.

 

Related image

 

هذا المخرج الفذ أجاد رواية قصّة مثيرة تحمل في تفاصيلها ما يجعلك مُثقلًا، وفي هذا الثقل استمرارية معك (هكذا صار معي)، بل والأكثر تعقيدًا من ذلك، فإن هذه التساؤلات المثقلة التي يثيرها جيلان بفيلمه، تجعلك هشّا. هنا تتجلى عظمة سيناريو الفيلم، الذي تبدأ أحداثه بفريق بحثٍ يتكون من (رئيس شرطة، سائق، المتهم وشقيقه، المدعي العام، الطبيب، وغيرهم) يحاولون إيجاد جثة رجل أعترف المتهم بقتله أثناء التحقيق معه. كلّ أحداث الفيلم تبدأ وتنتهي حول هذه الحكاية، لكنها ليست غاية “جيلان” من الفيلم، هذه الحكاية مجرّد هامش، لا تهمه بالدرجة الأولى، والسرّ يكمن في الحوار بين الشخصيات التي مع استمرار بحثها ومرافقة بعضها البعض وصعوبة أجواء الحدث نفسه، الكثير من الأشياء تنفضح وتتعرى.

 

Image result for once upon a time in anatolia (2011)

 

لن أتطرق في الحديث عن تفاصيل كثيرة من الفيلم، بل ولأكون أكثر صدقًا: هذا النوع من الأعمال من الأفضل ألّا تحكي الكثير عنها. لكن، ما أفهمه من “حدث ذات مرّة في الأناضول” أنه فيلما عن (تغطية الحقيقة).. شخصيات الفيلم في حواراتها كانت وظلت تغطي عدة حقائق منذ بداية المسيرة الاستطلاعية، بدايةً من المتهم (ما فعل شقيقه)، أيضًا المدعي العام وقصة زوجته، الطبيب وماضيه، ولا أنسى الشرطي معهم. جيلان يريد الإفصاح عن قولٍ واحد وهو: المتهم هنا ليس نفرًا واحد، الكل في هذه الحياة متهمين، وكلنا في الحقيقة واحد. هذه المعالجة المحبطة في تصوِّرها كانت مدعومة بسينماتوغرافية غاية في الجمال، حركة كاميرا سلسة واختيار زواية خلفية لا أصاب بالملل إطلاقًا لو أنني شاهدتها كلّ يوم. هذا الفيلم تغيب عنه الموسيقى حتى تتضح فيه المشاعر بواقعية لا بالاستعانة. ليس من الأعمال التي يسهل بلعها، بالتأكيد لكونها تعتمد على السرد البطيء غير المتسارع، المهتم فقط بالحوارات وبمجرى الأحداث والمواضيع الموجودة به، وهذا ما يجعله فيلما خاصا قد يستعصي على بعض المشاهدين استكماله.

Related image

 

هناك مشهدين اثنين عظيمين بكل ما يحملانه من معنى؛ المشهد الأول ذلك المتعلق بالتفاحة التي قام السائق “عربي” باقتطاقها، المشهد كان في خلفيته الحوار مستمرا، التفاحة عندما وقعت من على الشجرة تدحرجت إلى المجرى الذي أنتهى فيه حالها رفقة تفاحة أخرى فاسدة، وفي هذا إشارة ورمزية سوداوية حول وقوعنا جميعًا في نهاية الطريق جنبا إلى جنب مع الفاسد، أن نهايتنا واحدة. في قسوة جيلان هذه دائمًا هناك إشارات ضوئية نهاية النفق، وهذا ما أُختزل بالمشهد المفضّل الثاني، ذلك المتعلق بالفتاة (الجميلة جدًا) -هي ذاتها الموجودة ضمن غلاف المقال- أثناء تقديمها الشاي لفريق البحث في أحدى محطات راحتهم، نظرات الشخصيات المحورية بعد رؤيتها يؤكد على أنه بالرغم من الآلام التي عايشوها، المأساة التي تحتضنهم طوال الطريق وتعريهم واحدا تلو الآخر في “الأناضول” لا تزال في واقعها تحمل بصيصًا من الأمل يجعل كلا منهم في حالة تفكير متجددة نحو الحياة. مشاهد عديدة بالفيلم يمكن التطرق إليها، كلها إنسانية تطرح قضايا الذات الشائكة، وكلها ترمي كما يحاول “جيلان” لكثير من الممارسات والمفاهيم الراسخة بالمنطقة.

Image result for once upon a time in anatolia pictures

 

هذا الفيلم أضفى على شخصي الكثير من التحديات، غيّر مفهومي السطحي حول (الآخر) وحول محاولاتنا المستمرة في التغطية على الحقائق، تلك التي نراها أكثر قبولا من حقيقة الآخر. واحدًا من بين الأفلام التي (لا بد من الكتابة عنها دائما وبشكل منفصل) بسبب معرفتي بافتقار هذه المراجعة في إظهار مكامن جماله، هذا عمل سينمائي عظيم بلا أدنى شك، مليء بملامح الإنسان المكبوت بالمعاناة والكآبة والضمير، مليء أيضًا بالسوداوية لكنه تاركًا بعض المساحة لبلوغ الضوء. عمل متكامل، مضبوط بعناية، نص وصورة، ويمكنني من غير كل هذا التحليل إعتباره واحدا من بين أكثر الأعمال تأثيرا في ذاتي على الإطلاق.

Image result for Nuri Bilge Ceylan with camera

شكرًا جيلان على تركك مهنة الطب واختيارك للسينما، شكرًا لتمرّدك.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

مُقدَّم من WordPress.com. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: